العيني

184

عمدة القاري

محذوف أي : هذا باب من قال إلخ وأصل الكلام : هذا باب في بيان قول من قال : إن الإيمان هو العمل . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إنه عقد الباب الأول للتنبيه على أن الأعمال من الإيمان ردا على المرجئة ، وهذا الباب أيضا معقود لبيان أن الإيمان هو العمل ، ردا عليهم . وقال الشيخ قطب الدين ، في شرحه في هذا الباب : إنما أراد البخاري الرد على المرجئة في قولهم : إن الإيمان قول بلا عمل ، وقال القاضي عياض عن غلاتهم : إنهم يقولون : إن مُظهِر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقده بقلبه . الثالث : وجه مطابقة الآية للترجمة هو : أن الإيمان لما كان هو السبب لدخول العبد الجنة والله ، عز وجل ، أخبر بأن الجنة هي التي أورثوها بأعمالهم حيث قال : * ( بما كنتم تعملون ) * ( الزخرف : 72 ) دل ذلك على أن الإيمان هو العمل ، وفي الآية الأخرى أطلق على قول : لا إله إلا الله العمل ، فدل على أن الإيمان هو العمل ، فعلى هذا معنى قوله : * ( بما كنتم تعملون ) * ( الزخرف : 72 ) : بما كنتم تؤمنون ، على ما زعمه البخاري ، على ما نقل عن جماعة من المفسرين ، ولكن اللفظ عام ودعوى التخصيص بلا برهان لا تقبل ، ولهذا قال النووي : هو تخصيص بلا دليل ، وههنا مناقشة أخرى ، وهي : إن إطلاق العمل على الإيمان صحيح ، من حيث إن الإيمان هو عمل القلب ، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون العمل من نفس الإيمان ؛ وقصد البخاري من هذا الباب وغيره إثباته أن العمل من أداء الإيمان ردا على من يقول : إن العمل لا دخل له في ماهية الإيمان ، فحينئذ لا يتم مقصوده على ما لا يخفى ، وإن كان مراده جواز إطلاق العمل على الإيمان فهذا لا نزاع فيه لأحد ، لأن الإيمان عمل القلب وهو التصديق . الرابع : قوله : وتلك الإشارة إلى الجنة المذكورة في قوله : * ( ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ) * ( الزخرف : 70 ) وهي مبتدأ والجنة خبره ، وقوله * ( التي أورثتموها ) * صفة الجنة ، قال الزمخشري : أو الجنة صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة و * ( التي أورثتموها ) * ( الزخرف : 72 ) خبر المبتدأ ، والتي أو * ( التي أورثتموها ) * ( الزخرف : 72 ) صفة و * ( بما كنتم تعملون ) * ( الزخرف : 72 ) الخبر والباء تتعلق بمحذوف كما في الظروف التي تقع أخبارا ، وفي الوجه الأول تتعلق : بأورثتموها ، وقرئ : ورثتموها . فإن قلت : الإيراث إبقاء المال بعد الموت لمن يستحقه ، وحقيقته ممتنعة على الله تعالى ، فما معنى الإيراث ههنا ؟ قلت : هذا من باب التشبيه ، قال الزمخشري : شبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة ، ويقال : المورث هنا الكافر ، وكان له نصيب منها ولكن كفره منعه فانتقل منه إلى المؤمنين ، وهذا معنى الإيراث . ويقال : المورث هو الله تعالى ولكنه مجاز عن الإعطاء على سبيل التشبيه لهذا الإعطاء بالإيراث . فإن قلت : كلمة : ما في قوله * ( بما كنتم ) * ( الزخرف : 72 ) ما هي ؟ قلت : يجوز أن تكون مصدرية ، فالمعنى : بكونكم عاملين ، ويجوز أن تكون موصولة ، فالمعنى : بالذي كنتم تعملونه . فإن قلت : كيف الجمع بين هذه الآية ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ) ؟ قلت : الباء في قوله : بما كنتم ليست للسببية ، بل للملابسة أي : أورثتموها ملابسة لأعمالكم ، أي : لثواب أعمالكم ، أو للمقابلة نحو : أعطيت الشاة بالدرهم . وقال الشيخ جمال الدين : المعنى الثامن للباء المقابلة ، وهي الداخلة على الأعواض : كاشتريته بألف درهم ، وقولهم : هذا بذاك ، ومنه قوله تعالى * ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) * ( الزخرف : 72 ) وإنما لم نقدرها باء السببية كما قالت المعتزلة ، وكما قال الجميع في : ( لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ) لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا ، وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب ، وقد تبين أنه لا تعارض بين الحديث والآية لاختلاف محلي البابين جمعا بين الأدلة . وقال الكرماني : أو إن الجنة في تلك الجنة جنة خاصة أي : تلك الجنة الخاصة الرفيعة العالية بسبب الأعمال ، وأما أصل الدخول فبرحمة الله . قلت : أشير بهذه الجنة إلى الجنة المذكورة فيما قبلها ، وهي الجنة المعهودة ، والإشارة تمنع ما ذكره ، وقال النووي ، في الجواب : إن دخول الجنة بسبب العمل ، والعمل برحمة الله تعالى . قلت : المقدمة الأولى ممنوعة لأنها تخالف صريح الحديث فلا يلتفت إليها . وقال عِدّةٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ فِي قَوْله تَعَالَى * ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُم أجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) * ( الحجر : 92 ) عَنْ قولِ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ . الكلام فيه على وجوه . الأول : إن العدة ، بكسر العين وتشديد الدال : هي الجماعة ، قلَّت أو كثرت ؛ وفي ( العباب ) تقول : أنفدت عدة كتب ، أي : جماعة كتب ، ويقال : فلان إنما يأتي أهله العدة أي يأتي أهله في الشهر والشهرين ، وعدة المرأة أيام إقرائها وأما